الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
154
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
أجاب الفخر الرازي : بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد ، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة ، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن . وقد قال صاحب الكشاف « 1 » : لفظة « ثم » في قوله : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ « 2 » تدل على تعظيم منزلة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإجلال محله ، فإن أشرف ما أوتى خليل اللّه من الكرامة وأجل ما أوتى من النعمة اتباع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ملته ، من قبل أن هذه اللفظة دلت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه اللّه بها ، انتهى . ومراده بالمدائح : المذكورة في قوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ « 3 » . وقال ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد : وليت شعري كيف تلك العبادة ؟ وأي أنواعها هي ؟ وعلى أي وجه فعلها ؟ يحتاج ذلك لنقل . ولا أستحضره الآن . انتهى . وقال شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري : لم تجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده - صلى اللّه عليه وسلم - ، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه ، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين ، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة ، وحمل بعضهم التعبد على التفكر .
--> ( 1 ) هو : الإمام المعتزلي الكبير ، أبو القاسم ، محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ، الذي ولد بها ، كان رأسا في البلاغة والعربية والمعاني والبديع ، كما كان داعيا إلى الاعتزال - سامحه اللّه - ، مات ليلة عرفة سنة 538 ه . ( 2 ) سورة النحل : 123 . ( 3 ) سورة النحل : 120 - 122 .